السيد محمد بيرم الخامس التونسي
237
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
مقيما بالقاهرة ، وهو رجل ذو فضائل جمة يتعجب مجالسه من كمالاته مع أنه من أهالي السودان وإن كان أصله من نسل العرب الكرام فهو مهذب الأخلاق عارف بالسياسة والحروب وبجغرافية دواخل أفريقية وشطوطها الشمالية غيور على الملة كثر اللّه من أمثاله ، وقد دعت المقتضيات إلى الاجتماع بحضرة الخديوي محمد توفيق باشا توجهت إليه وأحضرت أبياتا تضمنت تاريخي ولايته إذ كان إذ ذاك قد ولي منذ بضعة أشهر ، وتلقاها مني بسرور فبيت التاريخ الهجري هو قولي : في سماء الملك أرخ * فلاح توفيق الخديوي وبيت التاريخ الميلادي هو قولي : 1296 فأنشد التاريخ صاح * قر تتويج الخديوي 1879 والصاد بعدد تسعين ، لأن ذاك هو حساب المشارقة فيها ، وأما المغاربة فهي عندهم بستين وذلك لأن حروف أبجد بحساب الجمل وقع في أعداد بعضها خلاف بين المشارقة والمغاربة ، وهاته الحروف نذكرها هنا تتميما للفائدة حيث رأيت كثيرا من أهالي القطرين يجهلون ما عند إخوانهم حتى أنهم ربما حملوهم على الخطأ في العدد ، مع أن ذلك مبني على الاصطلاح الذي لا مشاحة فيه ودونك حساب الأحرف والذي فيه الخلاف نضع حساب الشرق عن يمينه والغرب عن شماله وباقيها نضع له عددا واحدا : أ 1 ب 2 ج 3 د 4 ه 5 و 6 ز 7 ح 8 ط 9 ي 10 ك 20 ل 30 م 40 ن 50 90 ص 60 ع 70 ف 80080 ض 90 ق 100 ر 60300 س 300 ت 400 ث 500 خ 600 ذ 900700 ظ 1000800 غ 300900 ش 1000 وحيث كنت قائلا للأبيات في المشرق راعيت قاعدتهم . فاجتمعت بالخديوي في قصر عابدين ولم يكن معنا أحد وهو متواضع دين متفنن متبصر ، وبعد إقامتي بالقاهرة بضع أيام واشترائي منها القرب لحمل الماء في الطريق واشتراء الخيام اللازمة لذلك ، سافرت إلى بلدة السويس في طريق الحديد وكان العمران قرب القاهرة جميلا لكنا ما تنحينا عن خط النيل إلا وكانت الأرض صحراء خاوية لا نبات بها ولا أنيس سوى بعض شجر القصب على حافتي الترعة الذاهبة إلى السويس وبها أفراد من القوارب الصغيرة الحاملة كل منها لإنسان أو اثنين مع بعض بضائع ، فوصلنا إلى السويس بعد الغروب وكان السير من القاهرة إليها نحو ثمان ساعات فتلقانا الخير العفيف وكيل المغاربة بتلك البلدة ، ونزلنا بأحد منازل المسافرين على نحو ما مر في غيرها ، فإذا هي قرية بها بعض الأجانب وبها حاكم يلقب بالمحافظ وضابطية وعساكر ، وأهم ما فيها مرساها الصناعية وبقربها من الشرق فوهة الخليج الجامع بين البحرين الأبيض والأحمر ، وحول المرسى محل للتحفظ المسمى بالكرنتينة وعليه عساكر محافظون ، وفي البلد شجرات وشبه جنينات حول ديار بعض الإفرنج وما وراء ذلك فهو صحراء خالية وإن كانت الأرض قابلة